ورق أصفر
ورق أصفر
ألف ليلة وليلة ١: حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان
Use Left/Right to seek, Home/End to jump to start or end. Hold shift to jump forward or backward.
أبدأ معكم اليوم قراءة واحد من أجمل الكتب التي تحتويها مكتبة الحضارة البشرية؛ كتاب ألف ليلة وليلة. وهو كتاب مجهول المؤلف، مجهول المصدر، يعتقد أن نواته أصل فارسي عتيق مفقود، وقد أضيفت له الحكايات على مدار عقود في عدد من المناطق أبرزها مصر والعراق.
حكاية الملك شهريار وأخيه الملك شاه زمان، هي مقدمة الكتاب، والحكاية الإطارية التي ستحتوي جميع الحكايات الأخرى على مدار الليالي الألف وواحد القادمة. تبدأ الحكاية بالكثير من الدراما؛ خيانات زوجية، جرائم قتل، ثم انتقام جماعي من كافة النساء، قبل أن ينفتح لنا عالم سحري مخيف ومثير في آن.
وبالإضافة للقصة الإطارية، نستمتع أيضا بقصتين داخليتين؛ هما قصة فتاة الصندوق، وقصة الثور والحمار وصاحب الزرع.
لقد حاولت أن أقرأ النسخة كاملة، لكني آثرت في النهاية عدم قراءة بعض الكلمات لشدة فجاجتها، ولكن يمكنكم الإطلاع على نسخة مكتوبة كاملة، بمزيد من الهوامش على صفحة ورق أصفر في الرابط:
https://waraqasfar.buzzsprout.com
لكن المحتوى مازال غير صالح للأطفال وأصحاب الذائقة الحساسة فأرجو من هؤلاء الامتناع عن الاستماع.
ألف ليلة وليلة[1]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا ومولانا محمد وعلى آله صلاة وسلاما دائمينمتلازمين إلى يوم الدين. وبعد، فإن سير الأولين صارت عبرة للآخرين، لكي يرى الإنسان العبر التي حَصَلَت لغيرهفيعتبر، ويطالع حديث الأمم الٍسالفة وما جرى لهم فينزجر[2]، فسبحان من جعل حديث الأولين عبرة لقوم آخرين،فمن العبر الحكايات التي تسمى ألف ليلة وليلة، ما فيها من الغرائب والأمثال.
*(حكايةُ الملكِ شهريار[3] وأخيه الملكِ شاه زمان)*
حُكيَ واللهُ أعلمُ وأحكم، وأعزُ وأكرم، أنه كان فيما مضى وتقدم، من قديمِ الزمان وسالفِ العصرِ والأوان، ملكٌمن ساسان[4]، بجزائرِ الهند والصين[5]، صاحبَ جندٍ وأعوان، وخدمٍ وحشم، وكان له ولدان، أحدُهما كبيروالآخرُ صغير، وكانا فارسين بطلين. وكان الكبيرُ أفرسَ من الصغير، وقد ملِكَ البلاد، وحكمَ بالعدلِ بين العباد،وأحبَه أهلُ بلادِه ومملكتِه، وكان اسمُه الملك شهريار ، وكان أخوه الصغير اسمُه الملك شاه زمان، وكان ملكَ سمرقندالعجم[6]، ولم يزل الأمرُ مستقيما في بلادِهما، وكلُ واحدٍ منهما في مملكتِه حاكمٌ عادلٌ في رعيتِه مدة عشرينسنة، وهم في غايةِ البَسط[7] والانشراح. ولم يزالا على هذه الحالة إلى أن اشتاقَ الملكُ الكبير إلى أخيه الصغير،فأمرَ وزيرَه أن يسافرَ إليه ويحضِرَ به، فأجابه بالسمعِ والطاعة، وسافرَ حتى وصلَ بالسلامة، ودخلَ على أخيهوبلغه السلام، وأعلمَه أن أخاه مشتاقٌ إليه، وقصدَه أن يزورَه، فأجابه بالسمعِ والطاعة، وتجهزَ للسفر وأخرجَ خيامَهوجمَاله وبغَاله وخدمَه وأعوانَه، وأقامَ وزيرَه حاكما في بلادِه، وخرجَ طالبا أخيه.
فلما كان في نصفِ الليل تذكرَ حاجةً نسِيَها في قصرِه، فرجَعَ ودخلَ قصرَه، فوجدَ زوجتَه راقدةً في فراشِهمعانقةً عبدا أسود من العبيد. فلما رأى هذا اسودت الدنيا في وجهِه، وقالَ في نفسِه: "إذا كان هذا الأمرُ قد وقعَوأنا ما فارقتُ المدينةَ فكيف حالُ هذه العاهرةِ إذا غبتُ عندَ أخي مدة؟!" ثم سلَّ سيفَه وضربَ الاثنين، فقتلهما فيالفراش. ورجعَ من وقتِه وساعتِه وأمرَ بالرحيل، وسارَ إلى أن وصلَ إلى مدينةِ أخيه. ففرِحَ أخوه بقدومِه، ثم خرجَإليه، ولاقاه، وسلمَ عليه، وفرحَ به غايةَ الفرح، وزينَ له المدينة، وجلسَ معه يتحدثُ بانشراح. فتذكرَ الملكُ شاه زمانما كان من أمرِ زوجتِه، فحصَلَ عندَه غمٌ زائد، واصفرَ لونُه، وضعُفَ جسمُه. فلما رآه أخوه على هذه الحالة ظنَّ فينفسِه أن ذلك بسببِ مفارقتِه بلادَه وملكَه. فتركَ سبيلَه ولم يسألْ عن ذلك.
ثم إنه قالَ له في بعضِ الأيام: "يا أخي، أراكَ ضَعُفَ جسمُك، واصفرَّ لونُك!"، فقالَ له: "يا أخي، أنا في باطنيجََُرح." ولم يخبرْه بما رأى من زوجتِه. فقالَ: "إني أريدُ أن تسافرَ معي إلى الصيد والقنص. لعلك ينشرحُ صدرُك." فأبى ذلك. فسافرَ أخوه وحدَه إلى الصيد.
وكان في قصرِ الملكِ شبابيكُ تطلُ على بستانِ أخيه. فنظرَ، وإذا ببابِ القصرِ قد فُتِحَ، وخرجَ منه عِشرون جاريةًوعِشرون عبدا وامرأةُ أخيه تمشي بينهم وهي في غايةِ الحسنِ والجمال، حتى وصلوا إلى فِسقية، وخلعوا ثيابَهم،وجلسوا مع بعضِهم. وإذا بامرأةِ الملك قالت: "يا مسعود!"، فجاءها عبدٌ أسود، فعانقَها وعانقَته، وواقعَها[8]،وكذلك باقي العبيد فعلوا بالجواري. ولم يزالوا في بَوسٍ وعِناقٍ ونيكٍ [9]ونحوِ ذلك، حتى ولى النهار. فلما رأى ذلكأخو الملك قالَ في نفسِه: "والله إن بَلِّيَّتِي أخفُ من هذه البلية!" وقد هانَ ما عندَه من القهرِ والغم، وقال: "هذاأعظمُ مما جرى لي!"، ولم يزل في أكلٍ وشرب.
وبعدَ هذا جاءَ أخوه من السفر، فسلما على بعضِهما، ونظرَ الملكُ شهريار إلى أخيه الملك شاه زمان وقد ردَّ لونُهواحمرَّ وجهه، وصارَ يأكلُ بشهيةٍ بعدما كان قليلَ الأكل، فتعجبَ من ذلك وقال: "يا أخي، كنتُ أراكَ مصفرَّ اللونَوالوجه، والآن قد رُدَّ إليك لونُك. فأخبرني بحالِك." فقالَ له: "أما تغير لوني فأذكرُه لك، واعفُ عني من إخبارِك بردِلوني." فقالَ له: "أخبرني أولا بتغيرِ لونِك وضعفِك حتى أسمعَه." فقالَ له: "يا أخي، اعلمْ أنك لما أرسلتَ وزيرَك إلىيطلبُني للحضورِ بين يديك، جهزتُ حالي، وقد برَزتُ من مدينتي، ثم اني تذكرتُ الخرزةَ التي أعطيتُها لك فيقصري، فوجدتُ زوجتي معها عبدٌ أسود، وهو نائمٌ في فراشي، فقتلتُهما، وجئتُ إليك وأنا متفكرٌ في هذا الأمر. فهذا سببُ تغيرِ لوني وضَعفي. وأما ردُ لوني، فاعفُ عني من أن أذكرَه لك. فلما سمِعَ أخوه كلامَه، قال له: "أقسمتُ عليك بالله أن تخبرني بسببِ ردِ لونِك." فأعادَ عليه جميعَ ما رآه، فقالَ شهريار لأخيه شاه زمان: "مراديأن أنظرَ بعيني." فقالَ له أخوه شاه زمان: "اجعلْ أنك مسافرٌ للصيدِ والقنص، واختفِ عندي وأنت تشاهدُ ذلكوتحققُه عيانا."
فنادى الملكُ من ساعتِه بالسفر، فخرجت العساكرُ والخيامُ إلى ظاهرِ[10] المدينة، وخرجَ الملك، ثم إنه جلسَ فيالخيامِ وقالَ لغِلمانِه[11]: "لا يدخلُ على أحد." ثم إنه تنكرَ وخرجَ مختفيا إلى القصرِ الذي فيه أخوه، وجلسَ فيالشُباكِ المطلِ على البستان ساعةً من الزمان، وإذا بالجواري وسيدتِهم دخلوا مع العبيد، وفعلوا كما قالَ أخوه،واستمروا كذلك إلى العصر، فلما رأى الملكُ شهريار ذلك الأمرَ طارَ عقلُه من رأسِه، وقالَ لأخيه شاه زمان: "قمْ بنانسافرُ إلى حالِ سبيلِنا، وليس لنا حاجةٌ بالمُلكِ حتى ننظرَ هل جرى لأحدٍ مثلَنا أو لا، فيكون موتُنا خيرا منحياتِنا." فأجابَه لذلك.
ثم إنهما خرجا من بابِ سرٍ في القصر، ولم يزالا مسافرَين أياما وليالٍ[12]، إلى أن وصلا إلى شجرةٍ وسطَمرج[13]، عندها عينُ ماءٍ بجانبِ البحرِ المالح، فشرِبا من تلك العينِ، وجلسا يستريحان. فلما كان بعدَ ساعةٍمضت من النهار، وإذا هم بالبحرِ قد هاجَ وطَلَع منه عامودٌ أسودُ صاعدٌ إلى السماء، وهو قاصدٌ تلك المرجة،قال[14] فلما رأيا ذلك خافا وطلَعا أعلى الشجرة، وكانت عالية، وصارا ينظران ماذا يكونُ الخبر. وإذا بجني طويلِالقامة، عريضِ الهامة[15]، واسعِ الصدر، وعلى رأسِه صندوق. فطلَع إلى البرِ وأتى الشجرة التي هما فوقَها،وجلسَ تحتَها، وفتحَ الصندوق، وأخرجَ منه علبة، ثم فتحَها، فخرجت منها صبيةٌ غراءٌ[16] بهية، كأنها الشمسالمضيئة[17]، كما قالَ الشاعر:
أشرقت في الدُجى[18] فلاحَ النهار واستنارت بنورِها الأسحار[19]
من سناها[20] الشموسُ تشرقُ لما تتبدى وتنجلي الأقمــــــار
تسجدُ الكائناتُ بين يديــــهـــــــــا حين تبدو وتُهتُكُ الأستـار
وإذا أومضت بُروقُ[21] حَمَاهــــــــا[22] هطَلت بالمدامعِ الأمطـــــار
قال[23] فلما نظر إليها الجني قال: "يا سيدةَ الحرائر، التي اختطفتُها لي لةَ عرسِها، أريدُ أن أنامَ قليلا." ثم انالجني وضعَ رأسَه على ركبتٍِها ونام، فرفعت الصبيةُ رأسَها إلى أعلى الشجرة، فرأت الملِكَين وهما فوقَ تلكالشجرة، فرفعت رأسَ الجني من فوق ركبتِها ووضعتها على الأرض، ووقفت تحتَ الشجرةِ وقالت لهما بالإشارة،انزلا ولا تخافا من هذا العِفريت، فقالا لها: "بالله عليك أن تسامحينا من هذا الأمر." فقالت لهما: "بالله عليكما أنتنزلا وإلا نبهتُ عليكما العِفريت، فيقتلكما شر قتلة." فخافا ونزَلا إليها، فقامت لهما وقالت: "ارصعا[24] رصعاعنيفا، وإلا أنبه لكما العِفريت." فمن خوفِهما قالَ الملكُ شهريار لأخيه الملك ِ شاه زمان: "يا أخي، افعل ما أمرتكبه." فقال: "لا أفعل حتى تفعلَ أنتَ قبلي." وأخذا يتغامزان على نيكها، فقالت لهما: "مالي أراكما تتغامزان؟ فإنتتقدما وتفعلا، وإلا نبهت لكما العفريت." فمن خوفِهما من الجني فعلا ما أمرتْهما به، فلما فرَغا قالت لهما: "أفيقا." وأخرجت لهما من جيبها كيسا، وأخرجت لهما منه عقدا فيه خمسُمائة وسبعون خاتما، فقالت لهما: "أتدرون ما هذه؟" فقالا: "لا ندري." فقالت لهما: "أصحابُ هذه الخواتِمِ كلُهم كانوا يفعلون بي على غَفلةِقرنِ[25] هذا العِفريت، فأعطياني خاتميكما أنتما الاثنان الأخوان." فأعطياها من يدَيهما خاتمين، فقالت لهما: "إن هذا العِفريتَ قد اختطفني ليلةَ عرسي، ثم إنه وضعني في علبة وجعل العلبةَ داخل الصندوق، ورمى علىالصندوق سبعةَ أقفال، وجعلني في قاعِ البحرِ العَجَّاجِ[26] المتلاطمِ بالأمواج، ولم يعلم أن المرأةَ منا إذا أرادتأمرا لم يغلِبْها شيء، كما قالَ بعضُهم:
لا تأمنن إلى النسا ولا تثق بعهودهن
فرضاؤهن وسُّخطُهن معلقٌ بفروجِهن
يبدين ردا كاذبــــــــــــــا والغدرُ حشو ثيابهـــــن
بحديث يوسف فاعتبر متحـــذرا من كيدِهن
أوما ترى إبليس أخرج آدما من أجلهـــــــــــــــــــن
وقالَ بعضُهم:
كف لوما غدا يقوى الملوما ويزيد الغرامُ عشقا عظيما
إن أكن عاشقا فما آت إلا ما أتته الرجال قبلي قديمــا
إنما يكثر التعجب ممـــــــــــن كان من فتنة النساء سليما
فلما سمِعا منها هذا الكلامَ تعجبا غايةَ التعجب، وقالا لبعضِهما: "إذا كان هذا عفريتا وجرى له أعظمُ مما جرىلنا، فهذا شيءٌ يسلينا."
ثم إنهما انصرفا من ساعتِهما عنها ورجَعها إلى مدينةِ الملكِ شهريار، ودخلا قصرَه، ثم إنه رمى عنقَ زوجتِه،وكذلك أعناقَ الجواري والعبيد، وصارَ الملكُ شهريار كلما يأخذُ بنتا بكرا يزيلُ بكارتَها، ويقتلُها من ليلتِها. ولم يزلعلى ذلك مدةَ ثلاثِ سنوات، فضجت الناس، وهرَبَت ببناتِها، ولم يبقْ في تلك المدينةِ بنتٌ تتحملُ الوطء. ثم إن الملكَأمرَ الوزيرَ أن يأتيه ببنتٍ على جرى عادتِه، فخرجَ الوزير، وفتشَّ، فلم يجدْ بنتا، فتوجه إلى منزلِه وهو غضبانمقهورٌ خائفٌ على نفسِه من الملك.
وكان الوزيرُ له بنتان ذاتا حسنٍ وجمالٍ وبهاءٍ وقدٍ [27]واعتدال، الكبيرةُ اسمُها شهرزاد، والصغيرةُ اسمُهادنيازاد. وكانت الكبيرةُُ قد قرأت الكتبَ والتواريخ وسيرَ الملوكِ المتقدمين وأخبارَ الأممِ الماضين، قيل إنها جمعت ألفَكتابِ من كتبِ التواريخ المتعلقة بالأممِ السالفةِ والملوكِ الخاليةِ والشعراء. فقالت لأبيها: "مالي أراك متغيرا حاملَالهم والأحزان، وقالَ بعضُهم في المعنى شعرا:
قل لمن يحملُُ همــــــا إن هما لا يـــــــــدوم
مثل ما يفنى السرور هكذا تفنى الهموم
فلما سمع الوزيرُ من ابنتِه هذا الكلام حكى لها ما جرى له من الأول إلى الآخر مع الملك، فقالت له: "بالله ياأبت زوجني هذا الملك، فإما أن أعيشَ وإما أن أكونَ فداءً لبناتِ المسلمين وسببا لخلاصِهن من بين يديه." فقالَ لها: "بالله عليك، لا تخاطري بنفسِك أبدا." فقالت له: "لابد من ذلك." فقال: "أخشى عليك أن يحصُلَ لك ما حصَلَللحمارِ والثورِ مع صاحبِ الزرع." فقالت له: "وما الذي جرى لهما يا أبتِ؟"
*(حكاية الحمار والثور مع صاحب الزرع)*
قال: "اعلمي يا ابنتي إنه كان لبعضِ التجارِ أموالٌ ومواشٍ، وكان له زوجهٌ وأولاد، وكان اللهُُ تعالى أعطاه معرفةَألسنِ الحيواناتِ والطير، وكان مسكنُ ذلك التاجرِ الأرياف، وكان عندَه في دارِه حمارٌ وثور، فأتى يوما الثورُ إلىمكانِ الحمارِ فوجدَه مكنوسا مرشوشا، وفي معلفِه شعيرٌ مغربلٌ وتبنٌ مغربل، وهو راقدٌ مستريح، وفي بعضِالأوقاتِ يركبُه صاحبُه لحاجةٍ تعرِضُ له، ويرجِعُ على حالِه، فلما كان في بعضِ الأيام، سمِعَ التاجرُ الثورَ وهو يقولُللحمار: "هنيئا لك ذلك، أنا تعبان وأنت مستريح، تأكلُ الشعيرَ مغربلا ويخدمونك، وفي بعضِ الأوقاتِ يركبُكصاحبُك ويرجع، وأنا دائما للحرثِ والطحين." فقالَ له الحمار: "إذا خرجتَ إلى الغيطِ ووضعوا على رقبتِكالناف[28]، فارقدْ ولا تقم ولو ضربوك. فإن قمتَ فارقدْ ثانيا، فإذا رجعوا بك ووضعوا لك الفول، فلا تأكلْه كأنكضعيف، وامتنعْ عن الأكلِ والشربِ يوما أو يومين أو ثلاثة، فإنك تستريحُ من التعبِ والجهد.
وكان التاجرُ يسمعُ كلامَهما، فلما جاءَ السواقُ[29] إلى الثورِ بعلفِه أكلَ منه شيئا يسيرا فأصبحَ السواقُ يأخذُالثورَ إلى الحرث، فوجدَه ضعيفا، فقالَ له التاجر: "خذْ الحمارَ وحرثْه مكانَه اليومَ كلَه." فرجعَ الرجلُ وأخذَ الحمارَمكانَ الثور، وحرثَّه مكانَه اليومَ كلَه، فلما رجعَ آخرَ النهارِ شكرَه الثورُ على تفضلاته حيث أراحَه من التعبِ في ذلكاليوم، فلم يردْ عليه الحمارُ جوابا، وندِمَ أشدَ الندامة.
فلما كان ثاني يوم، جاءَ الزراعُ وأخذَ الحمارَ وحرَّثه إلى آخرِ النهار، فلم يرجعْ الحمارُ إلا مسلوخُ الرقبة، شديدُالضعف، فتأمله الثورُ وشكرَه ومجدَّه. فقالَ له الحمار: "كنتُ مقيما مستريحا، فما ضرني إلا فضولي." ثم قال: "اعلمْ إني لك ناصح، وقد سمِعتُ صاحبُنا يقول، إن لم يقمْ الثورُ من موضِعِه، أعطوه للجزارِ ليذبحَه ويعمَلُ جلدَهقطعا، وأنا خائفٌ عليك، ونصحتُك والسلام." فلما سمِعَ الثورُ كلامَ الحمارَ شكرَه وقال: "في غدٍ أسرحُ معهم." ثمان الثورَ أكلَ علفَه بتمامِه، حتى لحِسَ المدودَ[30] بلسانِه.
كلُ ذلك وصاحبُهما يسمعُ كلامَهما، فلما طلَعَ النهار، خرجَ التاجرُ وزوجتُه إلى دارِ البقر ِوجلسا، فجاءَ السواقُوأخذَ الثورَ وخرج، فلما رأى الثورُ صاحبَه حركَ ذنبه وضرط وبرطع[31]، فضحِك التاجرُ حتى استلقى على قفاه،فقالتٍ له زوجته: "من أي شيء تضحك؟" فقال لها: "شيءٌ رأيتُه وسمِعتُه ولا أقدر أن أبوحَ به فأموت." فقالت له: "لابد أن تخبرَني بذلك وما سببِ ضحكِكَ، ولو كنتَ تموت." فقالَ لها: "ما أقدرُ أن أبوحَ به خوفا من الموت." فقالتله: "أنت لم تضحك إلا علي." ثم إنها لم تزل تُلِحُ عليه، وتلِجُ[32] في الكلام، إلى أن غلبت عليه وتحير، فأحضرَأولادَه، وأرسلَ أحضرَ القاضي والشهود، وأرادَ أن يوصي ثم يبوحَ لها بالسرِ ويموت، لأنه كان يحبُها محبةً عظيمة،لأنها بنتُ عمِله وأمُ أولادِه، وكان قد عمرَ من العمرِ مائةً وعشرين سنة. ثم إنه أرسلَ أحضرَ جميعَ أهلِها وأهلِحارتِه، وقالَ لهم حكايتَه، وإنه متى قالَ لأحدٍ سرَه، مات. فقالَ لها جميعُ الناسِ ممن حضرَها: "باللهِ عليك، اتركيهذا الأمرَ لئلا يموتَ زوجُك وأبو أولادِك." فقالت لهم: “لا أرجِعُ عنه حتى يقولَ لي ولو يموت." فسكتوا عنها.
ثم إن التاجرَ قام من عندِهم وتوجه إلى دارِ الدوابِ ليتوضأَ ثم يرجعَ يقولُ لهم ويموت، وكان عندَه ديكٌ تحتَهخمسون دجاجة، وكان عندَه كلب، فسمِعَ التاجرُ الكلبَ وهو ينادي الديك ويسُبُه، ويقولُ له: "أنت فرحانُ وصاحبنُارايح[33] يموت؟!" فقالَ الديكُ للكلب: "وكيف ذلك الأمر؟" فأعادَ الكلبُ عليه القصة، فقالَ له الديك: "والله إنصاحبَنا قليلُ العقل! أنا لي خمسون زوجةً أرضي هذه وأغضبُ هذه، وهو ما له إلا زوجةٌ واحدة، ولا يعرفُ صلاحَأمرِه معها. فما له لا يأخذُ لها بعضا من عيدان التوت، ثم يدخلُ إلى حجرتِها ويضربُها حتى تموتَ أو تتوب، ولاتعودُ تسألُه عن شيء." فلما سمِعَ التاجرُ كلامَ الديكِ وهو يخاطبُ الكلب، رجَعَ إلى عقلِه، وعزَمَ على ضربِها.
ثم قالَ الوزيرُ لابنتِه شهرزاد: "ربما فعلَ بك مثلَ ما فعلَ التاجرُ بزوجتِه." فقالت له: "وما فعل؟" قال: "دخلَعليها الحجرة، بعدما قطعَ لها عيدان التوت وخبأها داخلَ الحجرةِ، وقالَ لها، تعالي داخلَ الحجرةِ حتى أقولَ لك ولاينظرني أحد، ثم أموت، فدخلت معه، ثم إنه قفلَ بابَ الحجرةِ عليها ونزلَ عليها بالضربِ إلى أن أغمي عليها." فقالت له: "تبت! “ثم إنها قبلت يديه ورجليه، وتابت، وخرجت هي وإياه، وفرِح الجماعة وأهلها، وقعدوا في أسرالأحوال إلى الممات.
فلما سمِعت ابنةُ الوزيرِ مقالةَ أبيها، قالت له: "لابد من ذلك."
فجهزها، وطلَعَ إلى الملك شهريار. وكانت قد أوصت أختَها الصغيرة، وقالت لها: "إذا توجهتُ إلى الملك أرسلُ أطلُبُك، فإذا جئتِ عندي، ورأيتِ الملكَ قضى حاجتَه مني، فقولي؛ يا أختي، حدثيني حديثا غريبا نقطعُ به السهر، وأنا أحدثُك حديثا يكونُ فيه الخلاص، إن شاء الله." ثم إن أباها الوزير طلَعَ بها إلى الملك، فلما رآه فرِحَ وقال: "أتيتَ بحاجتي." فقال: "نعم." فلما أرادَ أن يدخلَ عليها بكت، فقال لها: "مالك؟" فقالت: "أيها الملك، إن لي أختا صغيرةً أريدُ أن أودعَها." فأرسلَ الملكُ إليها، فجاءت إلى أختِها وعانقتها، وجلست تحتَ السرير، فقام الملك، وأخذ بكارتَها، ثم جلسوا يتحدثون. فقالت لها أختها الصغيرة: "يا أختي، حدثينا حديثا نقطعُ به سهرَ ليلتِنا." فقالت: "حبا وكرامة، إن أذِن لي هذا الملكُ المهذب." فلما سمِعَ ذلك الكلام، وكان به قلق، فرح بسماع الحديث.
[1] نسخة مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأخويه بكري وعيسى، بمصر، وهي من أقدم المطابع المصرية ويرجع تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر. مقابلة ومصححة على النسخة المطبوعة بمطبعة بولاق الأميرية سنة ١٢٧٩ هجرية، ١٨٦٢ العصر الراهن. تصحيح الشيخ محمد قطة العدوي (١٧٩٥- ١٨٦١).
[2] ينزجر: من زَجَرَ، إي نهى عن المنكر.
[3] في نسخة الحلبي اسم الملك شهرباز.
[4] ساسان، الدولة الساسانية هي آخر امبراطورية فارسية قبل الغزوات العربية، استمرت من سنة ٢٢٤ ع ر (ميلادي) إلى سنة ٦٥١ ع ر، لتكون بذلك الأطول عمرا في تاريخ فارس القديمة. في أقصى توسع لها، غطت الإمبراطورية الساسانية ما يعرف حاليا بدولة العراق وإيران حتى شرق المتوسط ومصر غربا، وباكستان الحالية شرقا. وتعد ذروة حضارية في التاريخ الفارسي القديم.
[5] امتدت الدولة الساسانية إلى باكستان، كما ذكرنا في السابق، والتي كانت تعد جزءا من الهند، لكن القول بامتدادها إلى الصين غير دقيق. لكن الكتاب كما وصل إلينا كتب في عصر متقدم جدا عن الإمبراطورية الساسانية، ومن ثم ربما الخلط يرجع إلى أن تلك المنطقة خضعت لاحقا للامبراطورية المغولية، في القرن الثالث عشر والرابع عشر، وربما هي الفترة التي تشكل فيها الكتاب كما وصل إلينا. تجدر الإشارة هنا إلى أن أقدم النسخ المتاحة لدينا الآن ترجع بالفعل إلى تلك الفترة في القرن الثالث عشر، ومحفوظة في المكتبة الوطنية الفرنسية، في باريس.
[6] سمرقند: ثاني أكبر مدينة في دولة أوزبكستان الحالية، وهي من أقدم المدن في آسيا الوسطى، وتقع على طرق التجارة القديمة. خضعت للامبراطورية الساسانية، وأصبحت في وقت لاحق عاصمة للتيموريين، في القرن الرابع عشر. وصفها ابن بطوطة الذي زارها عام ١٣٣٣ بواحدة من أرقى المدن وأكثرهم جمالا في العالم. في عام ١٣٧٠ عندما اتخذها تيمور لانك عاصمة لدولته أعاد بناءها ليزيد من مكانتها العالمية كعاصمة حضارية في تلك الفترة التاريخية. ومن غير الواضح لي لماذا وصفت بسمرقند العجم.
[7] البَسط: الانشراح
[8] واقع الرجل المرأة، أي جامَعَها.
[9] نيك، كلمة فجة يطلقها العامة على الجماع، لكنها أيضا عربية فصيحة (لسان العرب)
[10]ظاهر المدينة: ظاهر البلد خارجها.
[11] الغلام، الصبي حين يولد إلى أن يشب أو حين يقارب سن البلوغ.
[12]
في الأصل: "أياما وليالي".
[13] مَرج: أرض واسعة ذات نبت كثير.
[14]
جملة القول هنا غريبة، فمن قال؟
[15] الهامة: أعلى الرأس.
[16] غراء: مؤنث أغر: وهو الأبيض من كل شيء.
[17] في الأصل مضية.
[18] الدجى: سواد الليل وظلامه.
[19] في الأصل الأشجار، والأسحار جمع سحر، أي آخر الليل قبيل الفجر.
[20] سنا: أضاء
[21] بروق: جمع برق، من رعد وبرق.
[22] حما: حما يحمو أي اشتد حره، لكن ليست فصيحة على ما اعتقد لأن المصدر حَمْوة. وهي تشبه التشبيه الشعبي الحالي للمرأة الجذابة وأيضا في اللغة الإنجليزية، بالساخنة.
[23]
السابق
[24] رصع: طعن أو دق، وهنا المقصود كما هو واضح الجماع.
[25] قرن الرجل، جانبه.
[26] العَجَّاج: نهر عجاج أي يسمع لمائه هياجا.
[27] القد: القوام.
[28] ناف: النِير في لغة فلاحي مصر. وهو الخشبة المعترضة فوق عنق الثور لجر المحراث وغيره.
[29] السواق، ساق الإبل وغيرَها يسوقها سَوقا وسِياقا، وهو سائق وسَوَّاق.
[30] مدود: الصواب مديد، أي علف
[31] برطع: عامية مصرية وسودانية بمعنى جرى بطريقة غير منسقة.
[32] تلج: يلِّج يتمادى في الأمر معاندة.
[33] رايح : عامية كانت تستخدم في مصر حتى وقت قريب للتعبير عن المستقبل.